
شط العرب / بغاد / د. نبيل رحيم العبادي
في مشهد مصرفي عراقي يتجه بخطى متسارعة نحو المعايير الدولية، يقف المصرف العراقي للتجارة TBI نموذجا متفردا للاستقرار والاعتمادية والانتشار. ومن موقع الخبرة المصرفية، لا يسعني الا ان اقرأ مسيرة هذا الصرح المؤسسي قراءة مهنية موضوعية، تبرز ما تحقق، وتستشرف ما يمكن ان يتحقق، في رؤيه مصرفيه و في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها مسارات الاصلاح والتوسع والرقمنة.
منذ تاسيسه عام 2003، لم يكن TBI مصرفا تجاريا عابرا، بل كان ولا يزال الذراع التمويلية الاكثر قدرة على ربط العراق بالعالم. فهو يستحوذ على ما يقارب 80% من اعمال التمويل التجاري في البلاد، ويحتل المرتبة الاولى عربيا في معدل التكلفة الى الدخل، والمرتبة 332 عالميا في راس المال من الدرجة الاولى. كما تصنفه مؤشرات السوق كاكثر المصارف العراقية امانا وافضلها رسملة، براسمال مدفوع يتجاوز 3 مليارات دولار. هذه الارقام ليست مجرد مؤشرات مالية، بل هي تعبير ملموس عن ثقة السوق والمودعين والجهات السيادية بهذا المصرف.
الاعتماد العالمي والالتزام
حيث تختبر المصارف
لا يقاس تميز المصرف بعدد فروعه فحسب، بل بقدرته على اجتياز اختبارات المنظومة المالية العالمية. وهنا، يمتلك TBI سجلا حافلا بالاعتمادات والجوائز التي لا تمنح الا لمن يستوفي اعلى معايير الكفاءة والامتثال. فقد حصل المصرف على جائزة التميز في عمليات الدفع والتحويل الالي STP من عملاق المصرفية العالمية جي بي مورغان تشيس، محققا نسبة معالجة آلية بلغت 99.68% لفئة MT103 من مدفوعات SWIFT. وهذا الاعتماد ليس شكليا؛ فهو يعني ان تحويلات TBI تنفذ بسرعة ودقة عاليتين، باقل قدر من التدخل اليدوي، وبما ينسجم مع ادق معايير الامتثال الدولية.
ويعزز هذا الموقع شبكة علاقات مصرفية مراسلة تمتد الى اكثر من 400 مؤسسة مالية دولية في اكثر من 60 دولة، وهو ما يجعل TBI الاقدر على تسهيل التجارة الخارجية والاستثمار الاجنبي في العراق. ولم يات هذا الاعتماد من فراغ؛ فالمصرف دخل في شراكة استراتيجية مع شركتي K2i وKPMG لاعادة هيكلة عملياته الداخلية والخارجية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وهو مسار تصحيحي وتطويري يعكس وعيا مؤسسيا بان الامتثال ليس عبئا، بل ميزة تنافسية.
الانتشار والتوسع
من بغداد الى العالم
لم يعد TBI مصرفا محليا يقتصر حضوره على العاصمة، بل تحول الى شبكة متنامية تغطي المحافظات العراقية الرئيسية، مع 28 فرعا موزعة من بغداد الى المثنى واربيل، وخطة معلنة لرفع العدد الى اكثر من 70 فرعا داخل العراق خلال السنوات الخمس المقبلة. والاهم من العدد، هو تنويع طبيعة الفروع وفصل اختصاصاتها بما يخدم متطلبات السوق والمستثمرين، وهو توجه ينسجم مع حاجة العراق الى مصرفية متخصصة لا شاملة فقط.
اما خارجيا، فيمتلك TBI حضورا هو الاول من نوعه لمصرف عراقي: فرع عامل في الرياض، ومكتب تمثيلي في ابوظبي، مع مساع لافتتاح فروع في الولايات المتحدة، وبريطانيا، والبرازيل، بعد استيفاء الموافقات الاصولية. هذا الانتشار ليس ترفا؛ فهو يخدم مصالح العراق التجارية والاستثمارية، ويعزز قدرته على جذب التمويل الاجنبي وادارة الضمانات السيادية بكفاءة اعلى.
احدث الانظمة المصرفية
الرقمنة كخيار استراتيجي
لا يمكن الحديث عن مصرف الاكثر اعتمادا دون التوقف عند بنيته التكنولوجية. فقد تبني TBI مسارا واضحا نحو التحول الرقمي، تجلى في تطوير تطبيق مصرفي آمن، وخدمات الكترونية، وشبكة متنامية من اجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع، اضافة الى قيادة مبادرة حسابي (التوطين) لرقمنة دفع الرواتب وتعزيز المدفوعات الالكترونية في الاقليم والمركز. كما وقع المصرف اتفاقيات مع انظمة مصرفية حديثة لتسهيل العمليات، وطور كوادره عبر التدريب والاتمتة. هذه الخطوات، وان كانت لا تزال في منتصف الطريق، الا انها تضع TBI في موقع المؤسسة التي تمسك بادوات المصرفية الحديثة، لا التي تلهث خلفها.
ماذا يمكن ان يضاف لتطوير المصرف
فان رؤيتي التطويرية تنطلق من مبدا اساسي لا تطوير بلا تماسك بين الامتثال والرقمنة والانتشار. وعليه، اقترح خمسة محاور عملية:
اولا: تحويل الامتثال الى ميزة تنافسية لا عبئا اداريا.
العمل على تعميق ثقافة الالتزام عبر جميع مستويات المصرف، بحيث يصبح كل موظف سفيرا للمعايير الدولية، لا مجرد منفذ لها. التشجيع على استكمال الحسابات الختامية المدققة من الشركات العالمية الكبرى في اسرع وقت، لان الشفافية المالية هي بوابة الثقة الدولية التي لا يمكن تجاوزها.
ثانيا: تسريع التحول الرقمي بمنظور التجربة اولا.
الرقمنة لا تقاس بعدد التطبيقات، بل بسهولة الاستخدام وانتشارها. اقترح اطارا لتقييم تجربة الزبون رقميا، مع التركيز على تقليص زمن المعاملات، وتوسيع خدمات الدفع الالكتروني لتشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودعم مبادرات الشمول المالي التي تقودها الحكومة والبنك المركزي.
ثالثا: تحويل الانتشار الجغرافي الى شبكة قيمة لا مجرد فروع.
كل فرع جديد يجب ان يكون مركزا لخدمة قطاع اقتصادي محدد: فرع متخصص في تمويل الطاقة، وآخر في التجارة الحدودية، وثالث في خدمات المستثمرين. هذا التخصص سيرفع كفاءة راس المال البشري والمادي، ويجعل التوسع اداة لتعميق السوق لا مجرد زيادة في المساحة.
رابعا: تطوير راس المال البشري كاولوية استراتيجية.
المصرف الذي يمتلك احدث الانظمة يحتاج الى عقول قادرة على تشغيلها وتطويرها. العمل على برامج تدريب متقدمة في مجالات الامتثال ومكافحة غسل الاموال والتحليل المالي والرقمنة، مع شراكات مع مؤسسات تدريب دولية، لان الكادر المصرفي العراقي يمتلك الطموح، ويحتاج فقط الى الادوات والفرص.
خامسا: تعزيز الحضور الدولي عبر دبلوماسية مصرفية فاعلة.
اقترح تفعيل دور المكاتب التمثيلية والفروع الخارجية كمنصات لجذب الاستثمار الاجنبي الى العراق، وليس فقط لتسهيل التحويلات. وهذا يتطلب تكاملا بين TBI والجهات الحكومية والقطاع الخاص، بحيث يصبح المصرف جسرا استراتيجيا بين راس المال العالمي والفرص العراقية.
TBI ليس مجرد مصرف؛ انه مؤسسة وطنية تحمل عبء تمثيل العراق في الاسواق المالية العالمية، وقد اثبت بالارقام والجوائز والاعتمادات انه جدير بهذا الموقع. لكن التميز ليس حالة تكتسب مرة واحدة، بل مسار يجدد كل يوم. والفرصة اليوم، مع خطة الاصلاح المصرفي الشامل واتجاه الحكومة نحو التحول الرقمي، هي فرصة تاريخية لتحويل هذا المصرف من الافضل في العراق الى الاكثر تاثيرا في المنطقة. وهذا الطموح المنشود ، لا بوصفات جاهزة، بل بشراكة مهنية تقوم على التشخيص الدقيق، والتنفيذ المرحلي، والقياس المستمر للاثر.
مصرفي قانوني




