المحلية

قشم البركان البحري المنفجر في هرمز.. الضربة السرية وحرب الناقلات الـ11 التي تضع العالم على حافة الهاوية

د. محمد عبدالستار البغدادي

تحول مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر حيوية للتجارة العالمية، إلى ساحة مواجهة عسكرية مكشوفة حبست معها العواصم الكبرى أنفاسها. فلم تكن الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة ضد مواضع عسكرية في جزيرة قشم الإيرانية، ولا مشاهد النيران المتصاعدة من إحدى عشرة ناقلة نفط في الممر المائي، أحداثاً معزولة عن سياق صراع ممتد؛ بل جاءت كتفجير مقصود للخطوط الحمراء وقواعد الاشتباك التقليدية، لتدشن مرحلة جديدة من حرب استنزاف صامتة بين واشنطن وطهران، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية بالخنق الاقتصادي وعض الأصابع السياسي.
بدأت الشرارة الميدانية الأخيرة خلف كواليس التعتيم الإعلامي المعتاد في هذه البقعة من العالم، عندما رصدت الرادارات الأمريكية محاولة من الحرس الثوري الإيراني لاستهداف مقاتلة أمريكية كانت تحلق في الأجواء الدولية فوق المضيق، مستخدمة منظومة دفاع جوي متطورة نُشرت مؤخراً في جزيرة قشم. الرد من جانب القيادة المركزية الأمريكية جاء سريعاً وجراحياً عبر غارات وُصفت بالدفاعية والمحدودة لضرب منصات إطلاق الصواريخ والرادارات الساحلية التي شكلت تهديداً مباشرًا للمواضع الأمريكية. لكن طهران لم تتراجع؛ إذ سارعت وحدات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي المتمركزة في الجزيرة إلى إسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز “إم كيو 9 ريبر”، والسيطرة الإلكترونية الكاملة على مسيّرتين أمريكيتين أصغر حجماً جنوب قشم واقتيادهما للداخل الإيراني، في استعراض واضح للقدرة الجوية والتقنية.
لا يمكن فهم خطورة هذه المواجهة دون تفكيك الأهمية الاستراتيجية لجزيرة قشم، والتي تُعد بمثابة الجوهرة العسكرية الأثمن في العقيدة الدفاعية والهجومية لإيران داخل الخليج العربي. الجزيرة، التي تقع جغرافيّاً عند أضيق نقطة في مضيق هرمز حيث لا يتجاوز عرض الممر المائي 39 كيلومتراً، تمثل قفلاً للمضيق ومفتاحاً له في آن واحد. وتضم قشم شبكة معقدة من الأنفاق والقواعد المحصنة تحت الجبال التي تخبئ ترسانة ضخمة من صواريخ كروز المضادة للسفن قادرة على شل الملاحة برمشة عين، فضلاً عن كونها المنطلق الرئيسي لزوارق الحرس الثوري السريعة ومسيّراته الانتحارية التي تُستخدم بفعالية في تكتيكات الكمائن البحرية والقرصنة ضد السفن التجارية الكبرى.
هذا الحشد العسكري المتبادل يحركه في الواقع صراع بقاء عنيف تحت وطأة حصار اقتصادي مالي غير مسبوق يفرضه البيت الأبيض لتجفيف منابع التمويل الإيراني. وفي محاولة لكسر هذا الطوق، أعلن الحرس الثوري عن احتراق إحدى عشرة ناقلة نفط في المضيق جراء اصطدامها بألغام بحرية وسلوكها مسارات غير مصرح بها. هذا الإعلان يحمل في طياته رسالة إيرانية مشفرة وشديدة الوضوح للمجتمع الدولي، ومفادها أنه إذا حُرمت طهران من تصدير نفطها، فلن ينعم العالم بإمدادات الطاقة.
في المقابل، تعتمد الإدارة الأمريكية تكتيكاً مزدوجاً يوازن بين الضرب العسكري السري والتهدئة الدبلوماسية المشروطة؛ حيث تتعمد واشنطن إبقاء تفاصيل ضرباتها داخل قشم والعمق الإيراني قيد الكتمان لمنع حدوث قفزات جنونية في أسعار الطاقة العالمية ولتفادي الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا ترغب فيها. ويظهر هذا التناقض بوضوح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هدد باستهداف موقع “جبل الفأس” العسكري الحصين، بينما صرّح في الوقت عينه بأن إيران ترغب في التسوية ولا داعي للاستعجال بشأن قصفها، مراهناً على أن عامل الوقت والاختناق الاقتصادي الداخلي سيجبران طهران في النهاية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقف ضعف.
وتلقي حسابات صناديق الاقتراع بظلالها الثقيلة على غرف القرار العسكري في واشنطن؛ حيث تتزامن أحداث قشم مباشرة مع انطلاق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مما يفرض قيوداً سياسية بالغة الحساسية على إدارة ترامب. فالبيت الأبيض يجد نفسه محاصراً بين جبهتين في الداخل: تيار الصقور من الحزب الجمهوري الذي يطالب برد عسكري كاسح لإنهاء المهدد الإيراني وإثبات قوة الردع الأمريكية أمام الناخبين، وتيار ديمقراطي معارض يتحين الفرصة لاتهام الإدارة بجر البلاد إلى حرب برية جديدة غير محسوبة العواقب في الشرق الأوسط. هذا المأزق الانتخابي يفسر لجوء البنتاغون إلى استراتيجية “الردع الخفي والضربات الجراحية الموضعية”، فالرئيس ترامب يدرك أن أي تصعيد واسع النطاق قد يؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار الغاز والوقود داخل المحطات الأمريكية، وهو ثمن باهظ قد يدفع الناخب الأمريكي لتقديمه كعقاب فوري للجمهوريين في صناديق الاقتراع. وبناءً عليه، تُدار العمليات العسكرية بحذر شديد لضمان الحفاظ على التوازن الاقتصادي الداخلي حتى إغلاق مراكز الاقتراع وفرز الأصوات.
وعلى وقع هذه الحسابات في واشنطن، تعيش الأوساط السياسية في طهران هي الأخرى حالة من الجدل العنيف حول مدى نجاح استراتيجية “الردع المتبادل”. فبينما يدور نقاش حاد ومكتوم بين تيار المحافظين في الحرس الثوري الذي يرى في غنائم المسيّرات وحرب الناقلات برهاناً على كسر الهيمنة الأمريكية، تحذر أوساط سياسية أخرى من أن الاستمرار في استنزاف الملاحة قد يدفع الولايات المتحدة، بمجرد انتهاء الضغوط الانتخابية، لتنفيذ حملة قصف واسعة وشاملة تنهي البنية التحتية للبلاد، وسط نقاشات موازية بدأت تطفو للسطح حول تعديل العقيدة النووية كخيار ردع أخير.
بينما تبدو الجبهة الميدانية مشتعلة بالبارود، تتجه الأنظار إلى كواليس الدبلوماسية السرية؛ حيث يقود وسطاء إقليميون من الدوحة وإسلام آباد اتصالات مكثفة لتداول مسودات اتفاق تضمن شروط طهران لإعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة مقابل رفع جزئي للحسابات والقيود الاقتصادية. إن أحداث قشم أثبتت للعالم أن الطرفين يمارسان أعلى درجات لعبة حافة الهاوية، حيث ستبقى الممرات المائية ساحة لتبادل الرسائل الخشنة بالنار، إلى أن تنضج ظروف تسوية سياسية شاملة تُكتب تفاصيلها بدماء الناقلات المحترقة.
تُعلمنا التجارب التاريخية أن الحروب في الشرق الأوسط كثيراً ما تُطبخ على نار السياسة الداخلية الأمريكية. واليوم، بينما يقف مضيق هرمز على شفا مواجهة كبرى، فإن الضابط الحقيقي لإيقاع النيران ليس التموضع العسكري لقطع الأسطول الخامس، بل الأرقام التي ستفرزها صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة. إن مستقبل هذا الممر المائي الدولي بات معلقاً بمدى التغير في موازين القوى داخل الكونغرس، ومقدار الحرية السياسية التي سيحظى بها البيت الأبيض بمجرد انتهاء الضغوط الانتخابية.
خلال الأسابيع الماضية، فرضت الحسابات الانتخابية سقفاً منضبطاً لردود الفعل العسكرية الأمريكية؛ إذ تطلبت اللعبة السياسية من الرئيس دونالد ترامب استعراض القوة لخطب ود القواعد الانتخابية لتيار الصقور، دون الانزلاق إلى صدام واسع يرفع أسعار النفط عالمياً والوقود محلياً، وهو ما يمثل انتحاراً سياسياً عشية التصويت. من هنا نبعت استراتيجية “الردع المكتوم” والغارات الجراحية السرية في قشم. لكن هذا الانضباط التكتيكي مؤقت بطبيعته، وسينتهي مفعوله فور إغلاق مراكز الاقتراع، لتبدأ المنطقة في مواجهة واقع سياسي جديد ومفتوح على كافة الاحتمالات.
إذا أسفرت النتائج عن احتفاظ الجمهوريين بأغلبية مريحة، فإن إدارة ترامب ستعتبر ذلك تفويضاً شعبياً للمضي قدماً في سياسة “الضغط الأقصى” بلا كوابح. في هذا السيناريو، سيتحرر القرار العسكري من هواجس محطات الوقود المحلية، وقد نرى تحولاً من الضربات الدفاعية المحدودة في قشم إلى عمليات تدميرية استباقية تستهدف البنية الصاروخية للحرس الثوري، أو حتى منشآت أعمق مثل موقع “جبل الفأس”. واشنطن حينها ستسعى لفرض شروط استسلام تفاوضية على طهران، مستغلة إنهاكها الاقتصادي الداخلي.
في المقابل، إذا حقق الديمقراطيون خرقاً سياسياً واستعادوا السيطرة على القرار التشريعي، فإن البيت الأبيض سيواجه قيوداً رقابية صارمة وتحقيقات معقدة بشأن استخدام القوة العسكرية دون تفويض مباشر من الكونغرس. هذا السيناريو قد يدفع الإدارة إلى إبداء مرونة أكبر تجاه جهود الوساطة الإقليمية التي تقودها عواصم مثل الدوحة وإسلام آباد، والقبول بمسودات اتفاق تمنح طهران تخفيفاً جزئياً للحصار البحري مقابل ضمانات أمنية صارمة في المضيق.
أما طهران، فهي تقرأ هذه التوازنات بدقة؛ فالأجهزة الاستخباراتية والعسكرية هناك تدرك أن نافذة المناورة الحالية عبر “حرب الناقلات الصامتة” قد تضيق بسرعة بمجرد تحرر القرار الأمريكي من قيود المواسم الانتخابية. هذا الإدراك هو ما يدفع الأوساط السياسية الإيرانية لمناقشة خيارات بديلة وأكثر راديكالية، مثل مراجعة وتعديل العقيدة النووية للبلاد لفرض معادلة ردع جديدة تحمي وجود النظام في حال قررت واشنطن المضي في خيار الحسم العسكري الشامل.
في المحصلة، إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي للنفط، بل هو مرآة تعكس موازين القوى الدولية والداخلية. وبناءً عليه، فإن النيران التي اندلعت في قشم لن تُخمد أو تتسع بقرار يتخذه قادة الميدان في الخليج، بل بقرار تمليه التوازنات السياسية الجديدة في كابيتول هيل بالولايات المتحدة، لتظل سلامة الطاقة العالمية رهينة لحسابات فرز الأصوات ولعبة النفوذ في واشنطن وطهران على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Share with