المحلية

التحول المصرفي..الرؤية الاستراتيجية وقوة الأرقام

شط العرب : د. محمد عبدالستار البغدادي

يشهد النظام المالي والمصرفي في العراق اليوم منعطفاً تاريخياً دقيقاً إذ يقف القطاع عند مفترق طرق حاسم بين التموضع التقليدي المتوارث وبين الضرورة الملحة للانخراط في منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي. وإذا كانت المصارف والبنوك في أي اقتصاد حديث تمثل القلب النابض لعملية التنمية وضخ السيولة الاستثمارية، فإن قراءة الواقع المصرفي بلغة الأرقام والمؤشرات الإحصائية لا تعكس مجرد حجم النشاط القائم، بل تكشف بوضوح عن حجوم السيولة المكتنزة خارج الجهاز المصرفي، ومدى قدرة المنظومة على التحول إلى محرك رئيس للتنمية والاستثمار الحقيقي شريطة تبني رؤية إصلاحية جذرية تستند إلى المعايير الدولية والابتكار المؤسسي المستدام
الواقع الراهن والتشخيص الرقمي للمصارف العراقية
يعكس المشهد المصرفي العراقي في الوقت الحالي تبايناً واضحاً بين الطموحات التنموية الكبيرة والآليات التشغيلية القائمة. وتظهر البيانات الصادرة عن البنك المركزي والمؤسسات المالية الرسمية أبعاد هذا الواقع بكل دقة
مسار الشمول المالي والثقة المجتمعية
رغم تعافي الشمول المالي وارتفاع نسبته مؤخراً لتتجاوز عتبة (48.5%) مدعومة ببرامج توطين الرواتب والتوسع في المحافظ الرقمية مقارنة بنسب متدنية سابقاً (22.5%) إلا أن الفجوة لا تزال قائمة بين الثقافة النقدية الورقية والخدمات البنكية المتكاملة
تركز الودائع وهيكل السيولة
يتجاوز إجمالي الودائع لدى القطاع المصرفي حاجز 110 إلى 120 تريليون دينار عراقي لكن التحليل العميق يظهر اختلالاً هيكلياً إذ تستحوذ المصارف الحكومية الكبرى مثل الرافدين والرشيد والمصرف العراقي للتجارة TBI على النسبة الأكبر والتي تتجاوز 80% بينما لا تتعدى حصة المصارف الخاصة حدود 15% إلى 20% مما يعكس تمركز الكتلة النقدية الحكومية وتفاوت الثقة
فجوة الائتمان النقدي الاستثماري
يبلغ حجم الائتمان النقدي الممنوح للقطاع الخاص نحو 42 إلى 50 تريليون دينار عراقي، وهي نسبة متواضعة عند قياسها بالناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمعدلات الإقليمية (التي تتجاوز 55%)، مما يعزز حقيقة أن الجهاز المصرفي العراقي ما زال يعمل كخزينة لحفظ الأموال أكثر من كونه صانعاً للائتمان الإنتاجي
تحدي الاكتناز والاقتصاد النقدي
تتراوح نسبة النقد المتداول خارج المنظومة المصرفية (المكتنز في المنازل والتعاملات غير الرسمية) بين 60% إلى 70% من إجمالي العملة الصادرة وهي كتلة مالية ضخمة معطلة يجب استعادتها لرفد الاقتصاد الوطني
خريطة الطريق الاستراتيجية للنهوض ومواكبة الحداثة العالمية
للعبور بالقطاع المصرفي من محطة الاختلالات الهيكلية إلى آفاق الحداثة والريادة تتطلب المرحلة الراهنة إستراتيجية وطنية متكاملة تستند إلى خطوات تنفيذية محددة
إحداث ثورة في البنية التحتية للتقنية المالية (FinTech)
إن الانتقال إلى البيئة الرقمية السحابية الشاملة واستقطاب الكتلة النقدية المكتنزة يتطلب تسهيل فتح الحسابات الرقمية اللامركزية وتوسيع نشر نقاط البيع الإلكترونية (POS) وبوابات الدفع الرقمي لرفع نسبة المدفوعات الرقمية المستهدفة إلى أكثر من 85%
ترسيخ الحوكمة وتحديث المصارف الحكومية
بناء ثقة المستثمر المحلي والأجنبي يتطلب تطبيق معايير الحوكمة والشفافية وفق متطلبات بازل (3) إلى جانب تحويل المصارف الحكومية الكبرى إلى شركات مساهمة ذات حوكمة مستقلة وإدخال شريك استراتيجي دولي لتحديث أنظمتها التشغيلية Core Banking Systems
التوسع في الائتمان الموجه والتمويل المستدام
يتوجب على المصارف تخصيص ما لا يقل عن 15% إلى 20% من محفظة التسهيلات لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة SMEs والمبادرات الخضراء والاعتماد على نظم تقييم مخاطر الائتمان الحديثة بدلاً من الرهونات العقارية التعجيزية
الالتزام المطلق بمعايير الامتثال الدولية
(AML/CFT)
بناء منصات امتثال ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتتبع التعاملات المالية وضمان مطابقتها لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتتبع حركة الأموال
مما يضمن فتح خطوط تعامل آمنة ومباشرة مع البنوك المراسلة حول العالم
تطوير رأس المال البشري
تأسيس أكاديميات مصرفية تخصصية لتأهيل الكوادر والقيادات الشابة على أدوات التمويل الحديثة، وتحليل البيانات الضخمة والابتكار في الخدمات المالية الرقمية
نحو مستقبل واعد
إن النهوض بالقطاع المصرفي العراقي ليس خياراً ترفياً بل مسار حتمي؛ فعندما تترجم الرؤية الاستراتيجية إلى خطوات رقمية ملموسة، ننجح في إدخال السيولة المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية وتحويل القطاع المصرفي من مجرد ممر للتدفقات النقدية إلى القاعدة الصلبة لبناء اقتصاد عراقي متنوع متين ومندمج بكل قوة في حركة المال والتجارة العالمية.

*باحث متختصص في الشأن الاقتصادي العراقي والدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Share with