«موسوعة بصراوي».. مشروع رقمي يعيد جمع ذاكرة البصرة ويحفظها من الضياع
شط العرب م البصرة / خاص
في مدينة تختزن قروناً من التاريخ والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بدأت تجربة رقمية محلية تسعى إلى جمع ما تفرق من ذاكرة البصرة وتحويله إلى محتوى معرفي متاح للأجيال المقبلة، من خلال مشروع «موسوعة بصراوي»، وهو مشروع إلكتروني متخصص بتوثيق تاريخ محافظة البصرة ومناطقها وشخصياتها ومؤسساتها ومعالمها وأحداثها وتراثها.
وجاءت فكرة الموسوعة استجابة للحاجة إلى وجود مرجع رقمي متخصص بالبصرة، في ظل تشتت جانب كبير من المعلومات المتعلقة بتاريخ المحافظة بين الكتب والصحف القديمة والمواقع الإلكترونية والأرشيفات الشخصية والصور والوثائق التي يحتفظ بها أبناء المدينة.
وتتناول الموسوعة موضوعات متعددة تشمل تاريخ البصرة وأقضيتها ونواحيها ومناطقها وأحيائها وشوارعها، فضلاً عن الشخصيات البصرية في المجالات الأدبية والثقافية والإعلامية والعلمية والرياضية، والمؤسسات التعليمية والصحية والحكومية والاقتصادية، إلى جانب الموانئ والمشاريع والمعالم التاريخية والتراثية والأحداث التي شكلت جانباً من ذاكرة المحافظة.
وقال محمد حسين العبوسي، مؤسس مشروع «موسوعة بصراوي»، إن فكرة المشروع انطلقت من ملاحظة وجود كم كبير من المعلومات والصور والوثائق المتعلقة بالبصرة موزعة بين مصادر متعددة، وبعضها موجود في أرشيفات شخصية قد تكون معرضة للفقد أو التلف بمرور الزمن.
وأضاف العبوسي أن المشروع يسعى إلى بناء ذاكرة رقمية للبصرة لا تقتصر على الأحداث والشخصيات المعروفة، وإنما تهتم أيضاً بالأحياء القديمة والشوارع والأسواق والمدارس والمؤسسات والمباني والمواقع التي ارتبطت بالحياة اليومية لأبناء المحافظة وشكلت جزءاً من ذاكرتهم الاجتماعية.
وأوضح أن أحد أهداف الموسوعة يتمثل في الاستفادة من الوثائق والصور القديمة وشهادات أبناء المدينة والباحثين وأصحاب الأرشيفات، مع التأكيد على أهمية التحقق من المعلومات وتوثيق مصادرها والحفاظ على الحقوق المتعلقة بالصور والمواد الأرشيفية.
ويمنح المشروع مساحة للمشاركة المجتمعية من خلال استقبال المعلومات والصور والوثائق واقتراح الموضوعات التي تستحق التوثيق، بما يسمح للباحثين والمصورين وأبناء البصرة بالمساهمة في إثراء المحتوى المعرفي المتعلق بمحافظتهم.
وتبرز أهمية مثل هذه المشاريع في ظل التحول المتزايد نحو المصادر الرقمية، إذ بات الإنترنت واحداً من أهم المراجع التي يعتمد عليها الطلبة والباحثون والصحفيون والجمهور للحصول على المعلومات، في وقت لا يزال فيه المحتوى الرقمي المتخصص بتاريخ المدن العراقية بحاجة إلى المزيد من التوثيق والتنظيم.
ولا تنظر «موسوعة بصراوي» إلى التاريخ باعتباره مجموعة من الأحداث الكبرى فحسب، بل تسعى إلى توثيق التفاصيل المحلية التي قد لا تجد طريقها إلى الموسوعات العامة؛ من قصة شارع قديم أو سوق معروف، إلى مدرسة أو مؤسسة أو شخصية تركت أثراً في منطقة من مناطق المحافظة.
ويرى القائمون على المشروع أن حفظ ذاكرة المدن لم يعد مرتبطاً بالكتاب الورقي وحده، بل أصبح من الضروري تحويل الأرشيف المحلي إلى محتوى رقمي قابل للبحث والتحديث والربط بين الأحداث والأماكن والشخصيات والوثائق.
وتطمح الموسوعة خلال المراحل المقبلة إلى توسيع محتواها وإضافة المزيد من الصفحات المتعلقة بتاريخ المحافظة، إلى جانب تطوير أقسام الصور والوثائق والخرائط والأرشيف، والتعاون مع الباحثين والمؤرخين وأصحاب المجموعات الشخصية للمساهمة في إنقاذ المواد التاريخية من الضياع وإتاحتها بصورة منظمة.
ويقول العبوسي إن الطموح لا يقتصر على إنشاء موقع إلكتروني يضم معلومات عن البصرة، وإنما يتمثل في تأسيس أرشيف معرفي طويل الأمد يمكن للأجيال المقبلة الرجوع إليه لمعرفة كيف كانت مدينتهم، ومن عاش فيها، وكيف تطورت مناطقها ومؤسساتها وحياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وفي ظل ما تمتلكه البصرة من تاريخ عريق ومكانة اقتصادية وثقافية واجتماعية بارزة، تبدو الحاجة متزايدة إلى مشاريع رقمية محلية تحفظ هذا الإرث وتعيد تقديمه بلغة العصر، وهو ما تحاول «موسوعة بصراوي» القيام به تحت عنوان واضح: حفظ ذاكرة البصرة وإتاحتها للجميع.




